فخر الدين الرازي

549

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : قال الحسن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء اللّه لحيل بينهم وبينها أبداً » ، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله ، ولذلك قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 ] ، وفيه استعانة باللّه وتفويض الأمر إليه ، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة للّه تعالى فإن عند المعتزلة أن اللّه تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة ، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء اللّه فائدة . أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء اللّه فائدة . المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة على أن مشيئة اللّه تعالى محدثة بقوله : إِنْ شاءَ اللَّهُ من وجهين : الأول : أن دخول كلمة « إن » عليه يقتضي الحدوث . والثاني : وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء ، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية . ولنرجع إلى التفسير ، فأما قوله تعالى : يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا : ما هو طلب بيان الحقيقة ، والمذكور هاهنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال ؟ وقد تقدم جوابه . / أما قوله تعالى : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح ، وقرئ تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و [ قرئ ] تشابهت ومتشابهة ومتشابه . أما قوله تعالى : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ففيه وجوه ذكرها القفال . أحدها : وإنا بمشيئة اللّه نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها . وثانيها : وإنا إن شاء اللّه تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها . وثالثها : وإنا إن شاء اللّه على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث . ورابعها : إنا بمشيئة اللّه نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب اللّه تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى : إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وقوله : لا ذَلُولٌ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث و « لا » الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقى على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية ، وجملة القول أن الذلول بالعمل لا بد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص . أما قوله تعالى : مُسَلَّمَةٌ ففيه وجوه . أحدها : من العيوب مطلقاً . وثانيها : من آثار العمل المذكور . وثالثها : مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس . ورابعها : مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها ، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله : لا شِيَةَ فِيها تكراراً غير مفيد ، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب ، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله : مُسَلَّمَةٌ إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر .